آخر المقالات

عندما تصبح الوظيفة نجاة

 


لم يكن استيقاظ أنس في غرفته بالمستشفى مجرد عودة من غيبوبة عابرة إثر حادث سير، بل كان اصطداما عنيفا ومباشرا بجدار الواقع الصعب. 

في تلك اللحظة التي تلت الحادث، لم يكن أنس يواجه تكسرعظامه وهشاشتها فحسب، بل كان يواجه تكسّر المفهوم الذي بنى عليه حياته لسنوات، كان الألم الجسدي حادا ينخر عظامه،  لكن الألم النفسي الذي ولّده شعور "عدم الأمان" كان أصعب. 

في المستشفى كان يستلقي بصمت، يراقب حركة الممرضين وصوت  الأجهزة من حوله، ويدرك بمرارة أنه يفتقر لأبسط بديهيات الاستقرار التي يملكها أصغر موظف في أي شركة عادية: لا تأمين صحي يغطي تكاليف علاجه التي بدأت تتراكم، لا ضمان اجتماعي يحفظ كرامته في أشهر العجز الإجباري، ولا جهة عمل ثابتة يمكنه أن يرسل إليها تقريرا طبيا وهو مطمئن أن مقعده محجوز وراتبه ساري المفعول.

خرج أنس من المستشفى بجسد مثقل بالجبائر، ليواجه ثلاثة أشهر من الجلوس القسري في المنزل. كانت هذه الشهور هي المواجهة الكبرى مع الحقيقة، وجد نفسه في فراغ قاتل، بلا مهمة يؤديها، بلا دخل يغطي مصاريف أدويته، وبلا أي شعور حقيقي بالأمان. هناك، في تلك العزلة، بدأ يراجع تفاصيل سنواته الماضية ليذوق مرارة الثمن الذي دفعه مقابل ما كان يظنه "حرية مطلقة".

المستحقات المؤجلة.. الثمن المخفي للحرية المهنية

منذ تخرجه، دخل أنس عالم العمل كان يملك خامة صوتية رخيمة، وقدرة فنية في المونتاج والتقديم الإذاعي. في البداية، بدت الحرية كأنها وعد الجميل وبيئة عمل مثلى: لا مدير يملي عليه الأوامر، لا ساعات دوام، ولا بصمة تقيده في ساعات عمل مملة.

كان صوته يصل إلى الآلاف عبر موجات الإذاعة وشاشات التلفزيون، حاضرا بقوة في الإعلانات والبرامج الوثائقية، لكن خلف هذا الصوت القوي، كان هناك إنسان حائر وقلق من غموض الغد.

مع مرور السنوات، اكتشف أنس أن لهذه الحرية وجها آخر ليس مثاليا. كان يعيش في حالة "ترقب مزمن". لم يكن يعرف أبدا متى سيستلم مستحقاته؛ هل ستصل الدفعة اليوم؟ أم الأسبوع القادم؟ أم أنها ستتبخر في سماء  المماطلة وأعذار "الميزانيات المتأخرة"؟ كان ينهي مشروعا، ويبدأ آخر، وهو لا يزال يطارد مستحقاته من المشروع الأول باتصالات ورسائل لا تجد أي صدى. 

هذا الانتظار لم يكن ماليا فحسب، بل صار  انتظارا يعطل نمو حياته. أصبحت أبسط تفاصيل العيش مؤجلة، وقراراته الشخصية معلقة حتى إشعار آخر. يصف تلك المرحلة بوجع قائلا: "أموال معلّقة، وعود لا تكتمل، وعقود غائبة تماما في معظم الأحيان.. ومع أي محاولة للاعتراض أو المطالبة، كنت أتراجع خوفا من خسارة فرص جديدة، فأرضى واستمر في العمل بصمت!".

قلق الدخل والمستحقات الضائعة

أخطر ما فعله العمل غير المنتظم بأنس هو أنه عزله عن "إيقاع الحياة الطبيعي" لمن حوله. كان يراقب أصدقاءه وهم يتحركون في خطوط واضحة؛ يتوظفون، ينالون ترقياتهم، يؤسسون عائلات، ويخططون لحياتهم بناء على جداول زمنية مستقرة. أما هو، فكان يعيش في دوامة من الفوضى، حيث تحول الغموض المادي إلى نمط حياة، وتسلل القلق إلى أعمق علاقاته الاجتماعية. انسحب من فكرة الارتباط وتأسيس عائلة، وكان يسأل نفسه: "كيف أبني حياة وأنا لا أعرف شكل الشهر القادم؟ وكيف أعد أحدا بالأمان وأنا لا أملكه؟". 

صار أنس يشعر بأنه يعيش حياة "غير مقبولة " مهنيا، حياة تحتاج إلى تبرير وشرح دائمين أمام المجتمع. كانت نظرات المحيطين به وأسئلتهم التي تبدو بريئة مثل: "أين تعمل الآن؟" و"متى ستستقر في وظيفة حقيقية؟" تترك في نفسه جرحا أعمق من كل نجاحاته. 

بدأ يشعر بالخجل من وضعه، وكأنه يرتكب خطأ لمجرد أنه لا يملك "بطاقة موظف" يبرزها للعالم ليثبت وجوده. انعكس هذا التشتت الذهني والنفسي على نظامه البيولوجي؛ سهر مفرط لإنهاء مهام عاجلة في أوقات غير منطقية، نوم متقطع بانتظار إشعارات البريد الإلكتروني، وأكل عشوائي يفتقر لأي وعي. دخل جسده في حالة فوضى كاملة، كأن أعضاءه بدأت تتمرد على غياب النظام في حياته الخارجية.

 

مواجهة الشركات.. خبرة طويلة في نظر النظام "صفر"

عندما قرر أنس، البحث عن وظيفة ثابتة، لم يجد الطريق مفروشا بالزهور كما تخيل. اصطدم بواقع مرّ؛ فالسوق التقليدي يملك نظرة ريب وشك تجاه العاملين غير المنتظمين. رغم خبرته الطويلة واسمه الذي يتردد في السوق، كانت الشركات تتعامل معه كأنه "مبتدئ" في عالم الالتزام الوظيفي. في كل مقابلة عمل، كانت الأسئلة "البيروقراطية" تحد من تقدمه: "ما هو وضعك في الضمان الاجتماعي؟ أعطنا كشفا براتبك الأخير في آخر مؤسسة؟".

كانت هذه الأسئلة تعيده إلى نقطة الصفر، وتشعره بأن سنوات عمله وإبداعه لم تكن تُحسب في "عداد الزمن المهني" الرسمي لديهم. كان دخله المادي السابق، الذي كان يتأرجح بين القمة والقاع، غير قابل للترجمة في خانات الجداول الحسابية للشركات، مما ضاعف من شعوره بانعدام الأمان. 

عندما يرمم الأمان المهني ما أفسده القلق

بعد محاولات ومقابلات استنزفت ما تبقى من صبره، حصل أنس أخيرا على وظيفة "مدير للقسم الموسيقي" في إحدى شركات الإنتاج المعروفة. لأول مرة منذ تخرجه، اختبر أنس شعورا لم يدرك قيمته الحقيقية من قبل: راتب واضح، ينزل في الحساب في موعد ثابت لا يتغير، مع تغطية صحية شاملة واشتراك في الضمان يضمن له أمانا في المستقبل. 

يقول أنس وهو يستذكر هذا التحول: "لم يكن الأمر يتعلق بالمال كأرقام فقط، بل بزوال ذلك الثقل الذي كان يسكن رأسي. لم أعد أستيقظ وأنا أتحسس هاتفي بانتظار دفعة مجهولة الموعد. هذا اليقين البسيط، ذوّب قلقي ببطء. لأول مرة، لم تعد حياتي محاولة يائسة للنجاة من دفعة مستحقة، بل أصبحت محاولة حقيقية للعيش والاستمتاع المنظم ".

تغيرت نفسية أنس بشكل جذري؛ تراجع التوتر المستمر، وخفتت حدة الشعور بأنه متأخر عن أقرانه. صار أكثر هدوءا، وأقل خوفا من "المستقبل"، ورافق ذلك  استجابة جسده لهذا الاستقرار النفسي. بمجرد أن استقر ذهنه واطمأن قلبه، بدأت الفوضى الجسدية تتبدد. انتظم نومه تلقائيا لأن عقله توقف عن مطاردة الوعود.استقر وزنه بعد سنوات من التقلب، وعادت الرياضة لتأخذ حيزا من يومه الواضح المعالم. كأن كل شيء في جسده كانت ينتظر "الأمان"المهني لتبدأ رحلة الترميم والتعافي الحقيقية.

ليست مجرد حكاية

إن حكاية أنس ليست مجرد تجربة لشاب طموح، بل هي تجسيد حي لواقع يتقاسمه آلاف الشباب في الأردن اليوم. فخلف فكرة "العمل الحر" والمهن الإبداعية المستقلة، تكمن فجوة هائلة تسمى "العمل غير المنظم".

تشير دراسات منظمة العمل الدولية في الأردن إلى أن نسبة العمالة غير الرسمية في المملكة تتجاوز 43% من إجمالي المشتغلين، حيث يجد الشباب أنفسهم يعملون خارج مظلة الحماية الاجتماعية والقوانين الناظمة.

 هذا الواقع يضعهم، في مواجهة مباشرة مع "انعدام الأمان الوظيفي"ـ فلا ضمان اجتماعي يقي غدر الزمان، ولا تأمين صحي يسندهم عند المرض أو الحادث.

**

تم إنتاج هذا العمل كجزء من مخرجات دراسة "الصحة النفسية والرفاه النفسي الاجتماعي للشباب في بيئة العمل"، وذلك ضمن أنشطة مشروع "حضور" الذي ينفذه هيئة أجيال السلام، بالتعاون مع وزارة الشباب وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.

 

هبة جوهر
بواسطة : هبة جوهر
صحفية ومعدة برامج رئيسية، عملت هبة في عدد من وسائل الإعلام المحلية والدولية، حيث اكتسبت خبرة واسعة تمتد لأكثر من 10 سنوات في مجال الصحافة والإعلام المكتوب والمسموع والمرئي.
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-