آخر المقالات

من المحب الذي "يقوى الهجر"؟



خالد عبد الرحمن على المسرح الجنوبي في مهرجان جرش 


لم أكن أعرف خالد عبدالرحمن الرحمن قبل مهرجان جرش ٢٠٢٣، لكن في ذاكرة الأردنيين الكثير من الارتباط بالحزن الذي في صوته، لخالد عبد الرحمن دور في تكوين الذوق الفني عند جيل بأكمله، عاش قصة حبّه من بدايتها حتى الهجر على أنغام قصائده، ليقول مستنكرا "تقوى الهجر… وش لي بقى عندك تدورلي عذر .. لا تعتذر!".

هذه الأغنية التي غناها عبد الرحمن على المسرح الجنوبي أثارت من المشاعر ما أثارت لأولئك الذين كونوا معها ومعه الذكريات، لتصبح الأنغام والصور مشاهد تخرج من عمق الأيام المدفونة. أما أنا التي أتعرف على خالد عبد الرحمن وأسمع "تقوى الهجر" للتو، كنت أعيش لذة المرة الأولى، لتنبش الأغنية مشاعر الشجن، وتسأل عن معنى العُذر مع الهجر، وأسأل من الذي يقوى على الهجر.

وفي الهجر معانٍ أكثر وحشية من إنهاء علاقة، فالهجر يعني الإعراض، القطع، الابتعاد، والمغادرة، فمن ذا المحب الذي "يقوى الهجر" وما العذر الذي قدمه لهذا الفعل الجارح الذي يترك القلب في دمه غارق!
ولما قرأت عرفت القصة، التي تزيد على الجمال جمالا وعلى الشجن حزنا يصنع الذاكرة، وفي تفاصيل القصة حب وشوق وتبريرات كثيرة على الهجر.. واعتذار!

"تقوى الهجر" هي قصيدة كُتبت بألم سيدة تُلقب بـ "الأمل المجروح" ردا على قصيدة أرسلها زوجها الشاعر الأمير بدر بن عبد المحسن بعنوان "أبعتذر" هذه القصيدة كانت مرفقة مع ورقة الطلاق، الطلاق الذي جاء بعد حياة مليئة بالحب.

ليقول بدر بن عبد المحسن في قصيدته "أبعتذر عن كل شي إلا الهوى ما للهوى عندي عذر.. أبعتذر .. عن أي شي...إلا الجراح.. ما للجراح إلا الصبر...".

لتجيب هي على هذا المقطع "لالا تعنى لي وتمر وتبغى الصبر ..وين الصبر؟ جــرحــي عـــمـــيـق والقلب في دمه غريق !وتبغى الصبر؟! ويلاه من وين الصبر.. مهما تقول لا تعتذر ، مهما تقول من الأغاني والجمل، ما يحتمل قلبي فديا جبر الألم يمشي معك درب الندم ما يحتمل ، يكفي عليه منك أحتمل كذب وغدر، حبك سراب ضيعت وقتي اتبعه يكفي عليه".

وفي ملاحقة القصيدتين سنجد في كل مقطع من الشاعر ردا عليه من الأمل المجروح، ليغني محمد عبده قصيدة "أبعتذر" ويغني خالد عبد الرحمن "تقوى الهجر" وتعاود القلوب المجروحة إعادة توزيع الأغنيتين يُغني محمد عبده مقطعا ويرد عليه خالد عبد الرحمن، دون أن يلتقيا أو يعرفا أن قلوب المحبين ستعيد إنتاج عمل فني ثالث من القصدتين، فيقول عبده "أبجمع أوراق السنين وأودعك" ليرد عبد الرحمن "تجمع أوراق السنين، لا تنسى تجمع جروحي ودمعي وأهاتي معك". 
محمد عبده وخالد عبد الرحمن 

لا أعرف إن كانت تلك القصة حقيقة أم إشاعة، وكان بدر بن عبد المحسن عند سؤاله لم ينفي نفيا قاطعا كما أنه لم يؤكدها وذهب بالإجابة إلى كيفية كتابته للقصيدة، لكن قصص الحب تحتمل أن نصدق كل هذا الشجن في الأغنيتين، وأن المحب الذي "قوي" على الهجر لم "يقوى" على لفظ الطلاق أمام حبيبته فكتب عذرا يعيش بعد الموت، وانسحب من حياتها متمنيا "لو أن الهوى وهي كذب"، لكنها انهارت لترد عليه "يا خلي يا هاجر! ما عندك عذر"، وهذه القصة وإن كانت "كذبة" فإنها تٌجمل المعنى. 

 

لا أعتقد أن في مناهج الحب وأدبيات المحبين شيئا ينقض العهد إلا الهجر، كل الأخطاء يمكن تجاوزها والسماح بها وقبول العذر والتبريرات إلا الهجر لذا فإن قصيدة الاعتذار لم تجد طريقا إلى قلوب المحبين كما وجدت قصيدة رفض الاعتذار ... وظلت الجملة الأكثر رسوخا في القلوب "تقوى الهجر ما نجبره من عافنا ما ينجبر! لا تعتذر!".
هبة جوهر
بواسطة : هبة جوهر
صحفية ومعدة برامج رئيسية، عملت هبة في عدد من وسائل الإعلام المحلية والدولية، حيث اكتسبت خبرة واسعة تمتد لأكثر من 10 سنوات في مجال الصحافة والإعلام المكتوب والمسموع والمرئي.
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-