في ساحة الجامعة تداخلت أصوات الموسيقى وأهازيج الفرح، كان أحمد يحمل
شهادته الجامعية مرتديا روب التخرج، بين أصدقائه الذين تعالت أصواتهم "هيو المهندس
هيو".
لم يكن أحمد، وهو يعيش نشوة ذلك الفرح، يدرك أن الرحلة الحقيقية والشاقة قد بدأت، وأن تلك المساقات والمواد الأكاديمية التي أمضى سنوات في حفظها والنجاح باختباراتها بتفوق لا تكفي وحدها لإثبات مهاراته في سوق العمل الفعلي، فكل ذلك الجهد بات الآن مختصرا في ورقة واحدة وهي "الشهادة".
هذا ما استنتجه حينما بدأ بكتابة سيرته الذاتية وتحديث معلوماته على منصة "لينكد إن" حيث شعر بصعوبة في تحويل معرفته النظرية المتفوقة إلى مهارات عملية تبحث عنها الشركات.
يقول أحمد "في فترة إعداد السيرة الذاتية، شعرت أني لا أملك شيئا، بدت معرفتي "فقيرة" وجافة؛ فكل ما تحتويه هو تفوقي الأكاديمي، واسم مشروع تخرجي، في ذلك الوقت أدركت أني محاصر بين الحياة العلمية والعملية، لا سيما أن معظم الفرص تطلب خبرة لا تقل عن سنتين".
يتساءل أحمد باستغراب "كيف يمكن لشاب متخرج للتو أن يمتلك خبرة!"
الأناقة في مهواجهة التوتر
على الرغم من ذلك الشعور، لم يستسلم للإحباط، وقدّم على أي فرصة يجدها أمامه، حتى تلقى أول اتصال بعد 7 شهور من تخرجه يخبره بموعد مقابلة عمل.
يصف أحمد شعوره "أول مقابلة عمل، كانت اختبار حقيقي ليس للقدرات العملية وحسب إنما لقدرتي في الاتصال، وخروجي من دائرة الأمان، حيث سأقدم نفسي لأشخاص كل ما يعرفونه عني، هي كلمات جامدة، من بين مئات المتقدمين للوظيفة، وهنا كان التوتر والقلق عنوانا للمقابلة".
لم يراجع أحمد معلوماته بقدر اهتمامه بمظهر المهندس الذي سيقابل اللجنة، لذا أمضى وقتا أمام المرآة يجرّب تنسيق ملابسه الرسمية، يتأكد من كَيّ القميص بعناية، ويعيد لفّ ربطة عنقه حتى استقرت بشكل مثالي، فيما كان يواجه تحديا آخر فرضته الجغرافيا وشبكة المواصلات، فأحمد يقطن في منطقة سكنية في عمان الشرقية بعيدة عن مكان المقابلة، لذا طلب سيارة من أحد التطبيقات -رغم التكلفة- حتى لا يتنقل بين الحافلات في ذروة الازدحام ويتكبد عناء طريق تجعله يصل إلى المقابلة متعبا وتفوح منه رائحة الإرهاق.
صوت في الأذن: كيف تفشل؟
في المقابلة.. وجد نفسه في مواجهة أسلوبٍ مهني جاف؛ حيث قاطعت اللجنة إجاباته الأكاديمية بأسئلة ميدانية، ثم اكتفوا بتدوين ملاحظاتهم في ملفاتهم دون إبداء أي ردة فعل أو تعاطف مع ارتباكه. هذا الصمت والجدية جردته من ثقته وأشعرته بأنه لا يملك شيئاً، ليخرج بحالة نفسية صعبة، مدركا أن شهادة الامتياز قد هُزمت أمام متطلبات وواقع السوق.
في طريق عودته، تنقل أحمد بين المواصلات، يحاول استيعاب كيف تبخرت ثقة خمس سنوات في دقائق، وكأنه يحمل جبلا من الخيبة، وكيف تتحول الحماسة إلى حيرة حول الخطوة القادمة والمستقبل.
وهو غارق في أفكاره كان يضع سماعة الهاتف في أذنه حتى يبتعد عن ضجيج المحيط، ودون أي تخطيط استوقفته عبارة شخص يقول " أن تحاول أول مرة ولا تنجح.. وثاني مرة ولا تنجح، البدء ثالث مرة صعب، حينها تسأل نفسك: هل المشكلة في.. هل أنا أصلا جيد بما فيه الكفاية!"
وهنا نظر أحمد لهاتفه ليجد عنوان حلقة من بودكاست فنجان بعنوان "كيف تفشل؟"، وكأن بابا من المعرفة فُتح أمامه.
ومشى أحمد في طريق آخر يستمع لقصص مهندسين ورواد أعمال مروا بالخيبات نفسها وكيف نهضوا منها، فتحت له هذه المواد الصوتية آفاقا جديدة عبر الإنترنت لتطوير نفسه، وجعلته يغير بوصلة بحثه، فتوقف عن الطرق التقليدية، وبدأ يبحث عن الفرص في أماكن أخرى، مثل التقديم على برامج التدريب المكثف، والمشاركة في حاضنات الأعمال التقنية، وبناء شبكة معارف رقمية قوية.
![]() |
حينها بدأ يرى أن الفشل ليس نهاية المطاف، بل هو مؤشر يخبرك بأنك تسير في الطريق الصحيح لكن بالأدوات الخاطئة، بدأ يتصالح مع الواقع، فالتفوق الأكاديمي لم يكن وهما، لكنه كان مجرد بداية السلم.
هذه الثقة والقوة، كانت سلاحه الذي رافقه عندما أتيحت له فرصة المقابلة في شركة تقنية ناشئة، إذ دخل القاعة بإيمان لقيمته ومهارته، فواجه اللجنة بابتسامة ونبرة صوت خالية من أي ارتباك. وعندما بدأت الأسئلة الميدانية، لم يهزمه الخوف كما السابق.
حينها تنقل بين المواصلات، وهو يشعر بالراحة لأنه اجتاز المرحلة الأولى بنجاح وأمامه الآن مقابلة ثانية وأخيرة لتحديد ملامح عقد عمله.
هذه ليست قصة أحمد وحده، بل هي واقع يعيشه جيل كامل من الخريجين الجدد في الأردن؛ فبناء على التقارير الصادرة عن منتدى الاستراتيجيات الأردني (JSF) في دراسته المتخصصة بعنوان "التوافق بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل في الأردن"، تعد هذه الفجوة من أبرز التحديات التي تواجه الشباب، حيث أكدت الدراسة أن التخصصات التقنية والهندسية تعاني نقصاً واضحاً في المهارات العملية لاعتماد التعليم الأكاديمي على الجوانب النظرية بشكل أكبر، في حين تتطلع الشركات في السوق إلى خريجين يمتلكون مهارات تطبيقية وحلولاً جاهزة للمشكلات التقنية الحية. كما أشار التقرير إلى أن غياب برامج التدريب الميداني المكثف خلال فترة الدراسة يجعل الخريجين الجدد يواجهون صعوبة بالغة وضغطاً نفسياً كبيراً أثناء المقابلات الشخصية، نظراً لأن لجان التوظيف باتت تعتمد على أسئلة المحاكاة وحالات الدراسة الواقعية بدلاً من الأسئلة النظرية التقليدية، لتبقى رحلة أحمد في كسر هذا الحاجز عبر المبادرة والتطوير الذاتي هي النموذج الحقيقي للتغلب على هذه العقبات والعبور نحو النجاح المهني.
تم إنتاج هذا العمل كجزء من مخرجات دراسة "الصحة النفسية والرفاه النفسي الاجتماعي للشباب في بيئة العمل"، وذلك ضمن أنشطة مشروع "حضور" الذي ينفذه هيئة أجيال السلام، بالتعاون مع وزارة الشباب وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.
