آخر المقالات

60 دقيقة تحكم الطموح والأمومة

 

تتحول الدقائق إلى ثمن تدفعه المرأة من طاقتها وأعصابها 

"لا أحد يعرف معنى الساعة بقدر ما تعرفه أم عاملة"... ستون دقيقة قد تغير الكثير وتحقق التوازن بين البيت والعمل. فالساعة في عالم الأدوار المزدوجة ليست مجرد عقارب تدور، بل هي خيط يفصل بين النجاح المهني والواجب الأسري، حيث تتحول الدقائق إلى ثمن تدفعه المرأة من طاقتها وأعصابها لتشتري به استقرار بيتها وطموحها.

 

خروج اضطراري

الساعة 6:00 مساء هي أولى الساعات التي شكلت عائقا في الاستمرار في سوق العمل لدى هبة التي تخرجت من  كلية اللغات، وعملت في إحدى المكاتب السياحية. حينها لم تكن قد تزوجت بعد، لذا كان من السهل عليها الموافقة على ساعات عمل طويلة نسبيا، إلا أنها بمجرد زواجها وحملها أصبحت ترى وقت انتهاء الدوام بشكل مختلف، حيث أنه غياب عن بيتها وواجباتها الأسرية.

إلا أن الساعة -على ثقلها- ظلت أمرا ثانويا في تلك المرحلة مقارنة بما بدأت تلمسه من تغير في معاملة مديرها، حينها تحول المكتب إلى بيئة مشحونة بالسلبية؛ فكلما اضطرت لطلب مغادرة طارئة أو مراجعة روتينية لطبيبها، قوبلت برفض، أو بأسوأ من الرفض: نظرات وكلمات تعمدت إشعارها بالذنب والتقصير. أصبح المقياس لدى الإدارة هو مجرد مكوثها على الكرسي حتى اللحظة الأخيرة، ولم تعد للإنتاجية أي قيمة في نظرهم، طالما أنها أصبحت "أما مستقبلية" تحتاج إلى مرونة لا تعترف بها الإدارة.

بالمقابل، لم تكن هذه القيود الصارمة تشمل زملائها الذكور في المكتب؛ إذ كانوا يحظون بتعامل مختلف، وبمرونة وتفهم. ولم تقف التفرقة عند حدود المعاملة اليومية، بل امتدت لتكشف عن خلل آخر وهو الفجوة في الرواتب. وكأن سوق العمل يكافئ الرجل على استقراره، ويعاقب المرأة مسبقا على أدوارها الإنسانية والطبيعية في الحياة.

تقول هبة: "أمام هذا كله، ولعدم معرفتي بالقوانين العمالية وحقوقي كإمرأة حامل، شعرتُ أن الخيار الأفضل للحفاظ على صحتي واستقرار أسرتي هو تقديم الاستقالة".

 لم تكن تدرك حينها أن هذه الورقة التي وقعتها قبيل ولادتها، ستكون بوابة لخروج من سوق العمل في قطاع السياحة، وأن هذا القرار سيجعلها تجلس في المنزل لسنوات، ويتبدل مسارها العملي والمهني بالكامل لاحقا، وسط محاولات لإعادة اكتشاف ذاتها من جديد بعد أن أقصاها نظام عمل لم يمنحها الحماية أو الوعي بحقوقها.

 

سراب الملاذ الآمن

أنجبت هبة طفلها الثاني وهي بعيدة عن قطاع السياحة، تعيش هدوء المنزل المفروض عليها. لكن طموحها وإيمانها بأهمية استقلال المرأة المادي، دفعها لتأمل واقعها والبحث عن مخرج. في هذه الفترة، بدأت باستغلال وقتها، فأخذت تلتحق بالدورات التدريبية وتكتسب مهارات جديدة تمهد لها الطريق للتحول نحو قطاع التعليم.

كانت تظن، أن قطاع التعليم هو الملاذ الآمن والأكثر راحة للمرأة؛ فهو القطاع الذي تتوحد فيه الإجازات مع المدارس، وتكثر فيه النساء العاملات، مما يوفر بيئة تكافلية تتفهم أعباء الأمومة.

وبدأت فعليا رحلة البحث عن عمل في هذا القطاع، لكنها بمجرد أن خطت خطواتها الأولى فيه، واجهت واقعا مغايرا للتوقعات، لتكتشف أن لكل قطاع مشاكله وخفاياه التي تُثقل كاهل المرأة العاملة بطرق أخرى.

أولى هذه المشاكل تمثلت في صدمة الأجور وعدم توفير حضانة، إذ وجدت نفسها أمام "حسبة" رقمية غير منطقية؛ فالخروج من البيت، والغياب لساعات طويلة، وتكلفة المواصلات، مضافا إليها دفع رسوم الحضانة، بات يبتلع كامل الدخل.

صار الجهد المبذول طوال النهار والتضحية بالوقت لا يساوي قيمة الراتب في نهاية المطاف. هذه المعادلة وضعت هبة أمام واقع يواجه الكثير من الأمهات؛ فإما الاستمرار في وظيفة يذهب عائدها بالكامل لتغطية كلفة غيابها، أو الرجوع إلى نقطة الصفر.

رغم هذه المعادلة، لم تستسلم وتابعت البحث عن فرصة أفضل، لكنها واجهت نوعا آخر من العقبات، صدمة مغلفة بأسئلة المقابلات الشخصية التي تجاوزت حدود المهنية والشهادات، لتقتحم تفاصيل حياتها الخاصة.

إحدى المقابلات تحولت إلى تحقيق اجتماعي، فكانت تُسأل: "هل لديكِ عاملة منزلية؟"، "كيف هي علاقتكِ ببيت حماكِ..هل يساعدونكِ؟" والسؤال الأكثر إحباطا "إذا مرض طفلكِ فجأة، أين ستتركينه؟".

تصف هبة هذه الأسئلة بالقول "كانت بمثابة إعلان غير مباشر من الإدارة بأن كفاءة المرأة تُقاس بمدى قدرتها على تغييب التزاماتها، وبأن سوق العمل لا يريد موظفة فحسب، بل يريد امرأة متجردة من مسؤولياتها العائلية".

مواجهة الساعة الأخيرة.. مرة أخرى

بعد رحلة طويلة من البحث، وجدت هبة فرصة عمل في مدرسة كانت ظروفها تبدو أفضل نسبيا، حيث توفرت فيها حضانة للأطفال، ورغم أنها كانت تدفع رسومها من حسابها الخاص، إلا أن وجود الحضانة في نفس المكان كان يمنحها بعض الاطمئنان.

لكن التجربة لم تخلُ من الصعوبة، إذ اصطدمت مجددا بصرامة الالتزام بالوقت على الإنتاجية. وفي إحدى المرات، تقدمت بطلب للإدارة: أن تغادر قبل انتهاء الدوام بساعة واحدة فقط. لم تكن تلك الساعة تؤثر على عملها، ولم يكن لديها فيها أي التزامات مهنية، لكنها كانت تعني لها الكثير كأم؛ تلك الستون دقيقة كانت كفيلة بأن تجنبها أزمة السير الخانقة، وتمكنها من اللحاق بموعد خروج أطفالها الآخرين من مدارسهم، لتعود بهم إلى المنزل في وقت مناسب لتناول وجبة الغداء معا كعائلة دون توتر أوتأخير.

لكن الإدارة فضّلت الالتزام الحرفي بالتعليمات على المرونة، فقوبل طلبها بالرفض. تشير هبة إلى هذا الموقف بالقول " من جديد واجهت حقيقة أن بيئة العمل لا تتسع للأمهات الراغبات في التوفيق بين واجباتهن الأسرية والعملية، وحفاظا على استقرارعائلتي، قدمت استقالتي".

على الرغم من كل العثرات والانسحابات من ميدان العمل، مازالت هبة تبحث عن فرصة تُنصف الأمهات وتؤمن بالمرونة كقيمة إنتاجية. لم يكن البعد المالي هو الدافع الوحيد وراء تمسكها بالوظيفة، بل رغبتها في تحقيق ذاتها واستقلالها المالي، بما يؤثر إيجابا على الجانب النفسي والاجتماعي، وينعكس على عائلتها.

تحدي التوازن المستمر..البحث عن بيئة صديقة للأم

قصة هبة واحدة من قصص ملايين النساء؛ إذ تؤكد التقارير أن بيئات العمل غير المرنة هي الطارد المنهجي الأول للمرأة بعد الزواج والإنجاب. وقد وثّقت الدراسة الوطنية الشاملة الصادرة عن المجلس الأعلى للسكان عام 2023 هذا الواقع بدقة، حيث كشفت أن السبب الرئيسي وراء انسحاب النساء من سوق العمل يعود إلى غياب الحضانات المؤسسية وكُلفتها المرتفعة التي تستنزف الدخل، مضافا إليها تدني الأجور وغياب مرونة الساعات.

كما بيّنت ذات الدراسة الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على هذا الانسحاب الاضطراري؛ حيث رصدت تعرض النساء لضغوطات نفسية حادة نتيجة "صراع الأدوار" المتمثل في محاولة التوفيق التعجيزية بين متطلبات العمل والمسؤوليات الأسرية في ظل غياب الدعم المؤسسي، وهو ما يؤدي بالمرأة العاملة إلى حالة من التوتر المستمر وشعور ملازم بالتقصير والذنب، لينتهي بها المطاف بالخروج من سوق العمل تحت وطأة ضغوط نفسية واجتماعية تفوق كفاءتها وقدرتها الجسدية.

***

تم إنتاج هذا العمل كجزء من مخرجات دراسة "الصحة النفسية والرفاه النفسي الاجتماعي للشباب في بيئة العمل"، وذلك ضمن أنشطة مشروع "حضور" الذي ينفذه هيئة أجيال السلام، بالتعاون مع وزارة الشباب وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.

 

 

هبة جوهر
بواسطة : هبة جوهر
صحفية ومعدة برامج رئيسية، عملت هبة في عدد من وسائل الإعلام المحلية والدولية، حيث اكتسبت خبرة واسعة تمتد لأكثر من 10 سنوات في مجال الصحافة والإعلام المكتوب والمسموع والمرئي.
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-