تذوب الحدود بين الشخصي والمهني، حينما تتسلل مشاكل العمل إلى التفاصيل اليومية، إلى علاقتنا مع الآخرين، والأهم علاقتنا مع أنفسنا، حينها لا يعود للمنزل دفؤه، ولا لليل سكونه، ولا لعطلة نهاية الأسبوع مذاقها.
تتلاشى الخطوط الفاصلة بين هموم العمل والالتزامات الاجتماعية، حينما يتجاوز ضغط المكتب جدرانه، فيمتد لتجد نفسك تحمل أعباء الوظيفة في كل مكان ومع كل تفاعل.
هذا ما اكتشفته سمر بعد أكثر من 7 سنوات في عملها بإحدى كبرى المؤسسات الخاصة، لم تدرك متى بدأت تفقد السيطرة على حياتها، حتى جاء ذلك االيوم.
رحلة الهروب إلى الواقع
بدأ الأمر برسالة من مديرها المباشر، يطلب منها القدوم إلى العمل لحضور اجتماع طارىء رغم أنها في إجازة مرضية، لم تجد سمر خياراً سوى الامتثال، وانتهى الأمر بطلب إنجاز خمس مهام منها دفعة واحدة، كادت أن تنفجر، لكنها فضلت الانتهاء من كل شيء ومغادرة المكتب.
خرجت سمر وهي غاضبة، لكنها كتمت ذلك ولم تكن تعرف إن كان هذا الغضب بسبب العمل، أم بسبب وفاة والدها منذ فترة قصيرة، وبكل الأحوال، لم يتعامل معها العمل بشكل عاطفي أو يراعي ظروفها في تلك الفترة. ركبت سمر سيارتها وجلست لبعض الوقت وهي تشعر باختناق شديد وضيق بالتنفس، ولم تكن تعرف أين تذهب، حتى قررت في تلك اللحظة أن تتوجه مباشرة إلى اختصاصي نفسي.
بدا الذهاب إلى عيادة نفسية أمراغريبا عليها في البداية، لكن رغبتها في البوح كانت أقوى من أي تردد. هناك، أمام الاختصاصي بدأت تتكلم دون توقف، متحدثة عن ضيق في صدرها، وعن غضبها، وعن شعورها بالتقصير، وعدم لإقبالها على الحياة. وبعد عودتها إلى البيت، بدأت تسترجع الكلمات التي قالتها في لحظة المكاشفة. حينها استنتجت أن كل هذا التعب والإنهاك الذي تمر به ليس عيبا شخصيا فيها، بل هو ناتج عن بيئة عملها السلبية، التي تسربت إلى كل تفاصيل حياتها حتى افقدتها ذاتها.
كفاءة على مقياس الشللية
استرجعت سمر كلماتها في العيادة حينما قالت بنبرة مقهورة: "أنا أعمل في مكان يديره مسؤولون غير مختصين و "يشخصنون" الأمور، حيث لا يُقيّم الموظف بناء على كفاءته أو جودة عمله، بل بناء على طبقته الاجتماعية... كيف يتحدث، من أي المدارس تخرج، وأي المطاعم يرتاد. إن لم تكن جزءا من "شلتهم"، فأنت خارج حساباتهم. هؤلاء الأشخاص يملكون القدرةعلى إشعارك بأنك لا تفهم، وأنك غير كاف مهما بذلت من جهد، مستخدمين أسلوب التشكيك والتقليل المستمر".
وتابعت في استرجاعها بحرقة أشد: "المشكلة أنه لا توجد معايير أو أسس واضحة للتقييم، ولا توجد أي رقابة حقيقية على تصرفاتهم وسلطتهم من قِبل دائرة الموارد البشرية. والغريب أن معدل الدوران الوظيفي مرتفع جدا، وأن الموظفين يستقيلون ويغادرون القسم الذي أعمل به، ومع ذلك لا أحد يتدخل للمحاسبة أو التغيير".
عندما يذبل الشغف
الضيق حاصرها أكثر رغم البوح، وسرق النوم من عينيها ووضعها في دوامة من الأفكار، تستذكر كيف اختطفت منها بيئة العمل كل شيء، كيف تحولت من إنسانة اجتماعية مندفعة إلى شخص يفضل الانعزال، يهرب من التجمعات والمناسبات حتى لا يرى الناس إحباطها. هذا الاحتراق النفسي سرق أيضا اهتمامها بصحتها وأناقتها، وأثر على ثقتها بنفسها ونظرتها لذاتها، لتصيح سريعة الغضب، حادة الطباع، كثيرة الشكوى".
تقول سمر: "إن وصف تلك البيئة بالسامة هو أمر دقيق، فكما يدخل السم إلى جسم الإنسان وينتشر فيه ببطء، كذلك تفعل بيئة العمل السلبية، إنها تتغلغل في تفاصيل الحياة كالسم ، لتشل حركتها، وتطفئ حيوية الإنسان، وتتركه عاجزا".
محاولات استرداد البريق
على الرغم من كل هذا الاستنزاف، لا تملك سمر القدرة أو الرغبة في ترك عملها لأسباب تأخذ عدة أبعاد، أولها شخصي، إذ تشعر بأن استقالتها تعني هزيمتها أمام تلك البيئة وأمام هؤلاء الأشخاص، فقد تحول الأمر في نظرها إلى معركة شخصية ترفض الانسحاب منها. أما البعد الثاني فهو اجتماعي يرتبط بنمط حياتها، فهي تعمل منذ أيام دراستها الجامعية، واعتادت على الاستيقاظ بساعة معينة صباحا والذهاب إلى العمل والإنتاج، فحياتها بأكملها منظمة حول هذا الروتين ولا تتخيل نفسها خارجه. في حين أن البعد المادي يكبلها أيضا، حيث ترتبط بالتزامات مالية ومصاريف تجعل من خطوة الاستقالة مخاطرة، خاصة في مع عدم وجود فرص بديلة في السوق وقلة خيارات العمل المتوفرة.
ما تعاني منه سمر يعاني منه الكثير من الموظفين في قطاعات مختلفة؛ حيث وثقت دراسة"'تقييم أثر الدوران الوظيفي على القطاع الصناعي في الأردن" الصادرة عن غرفة صناعة عمان أن سوء الإدارة، وغياب التقدير، وتراجع العدالة التنظيمية داخل بيئة العمل هي المحركات الأساسية لارتفاع معدلات الاستقالة الطوعية وتفشي التخبط الإداري وتدمير الاستقرار النفسي للكفاءات. وأثبتت الدراسة أن هذه العوامل البيئية السلبية تدفع بالموظفين المتميزين إلى مغادرة وظائفهم طوعاً نتيجة الضغط المستمر وشعورهم بالاحتراق واستنزاف طاقتهم الذاتية والأسرية."
**
تم إنتاج هذا العمل كجزء من مخرجات دراسة "الصحة النفسية والرفاه
النفسي الاجتماعي للشباب في بيئة العمل"، وذلك ضمن أنشطة مشروع
"حضور" الذي ينفذه هيئة أجيال السلام، بالتعاون مع وزارة الشباب وبتمويل
من الاتحاد الأوروبي.
