عادت رنا إلى منزلها، وأغلقت باب غرفتها خلفها بهدوء موجع، جلست على طرف السرير، وسحبت هاتفها دون تفكير، وفتحت صورة قديمة لها… من مقابلة عمل قبل المرض:شعر طويل، مظهر متماسك، نظرة واثقة.
رفعت عينيها قليلا، وانعكست صورتها الحالية على الشاشة:
بلا شعر، ملامح متعبة، وجسد يحمل آثارعلاج لم ينته، وعدم الحصول على فرصة عمل رغم الخبرة.تأملت الصورتين طويلا، ولم تكن المقارنة بين شكلين فقط، بل بين حياة كانت تمضي… وأخرى توقفت.
تمتمت بينها وبين نفسها:
هل أصبحت أقل؟
ثبات في عالم متحرك
قبل عام ونصف فقط، لم يكن هذا السؤال موجودا أصلا، كانت رنا تعمل في كتابة المحتوى وإدارة وسائل التواصل
الاجتماعي، في خبرة امتدت 10 سنوات عملت خلالها مع جهات حكومية وخاصة.
عملها كان مرنا، عن بُعد في كثير من الأحيان، سريع الإيقاع، متجدد، ويشبهها، كانت
تنتقل بين المشاريع بثقة، لديها ما يكفي من الخبرة لتشعر أن مكانها محفوظ في هذا
المجال.
لكن المشروع الأخير انتهى، وفي نفس التوقيت، بدأ كل شيء ينهار بهدوء،
بعد أن تشخصت بسرطان الثدي، حينها انهمرت الدموع من عينها دون أن تعرف مالذي
ينتظرها؟
فلم تكن في مواجهة المرض وحسب إنما في مواجهة توقف جزئي عن الحياة،
تقول رنا "مرت أيام العلاج طويلة وثقيلة والألم امتد خارج الجسد، حينما كانت
تضيع فرص العمل والإنتاجية بلا سبب يتعلق بالخبرة",
سنة ونصف خارج العمل،خارج الإيقاع، وخارج النسخة التي كانت تعرفها عن
نفسها.
في تلك الفترة، لم يكن لديها شيء تفعله… إلا أن تراقب.
السوشيال ميديا أصبحت عالمها اليومي، ساعات طويلة من التمرير:
أشخاص يعملون، ينتجون، ينجحون، يستيقظون مبكرا، يذهبون إلى وظائفهم، يبدون بصحة جيدة، وبحياة تمضي، أما هي… كانت ثابتة.
تقول رنا "لم أترك فرصة إلا وقدمت عليها حتى لو كانت أقل من
خبرتي والراتب الذي تعودت أن أتقاضاه، وفي كل مرة كان الرفض يأتي بلا سبب، ومع
مرور الوقت كنت أعود من مقابلة عمل مع خيبة جديدة ومع كل رفض كان يسحب جزء مني دون
عودة، كان الرفض عبارة عن ورم يكبر ليلتهم ثقتي بنفسي، إحساسي بذاتي، سنين خبرتي
التي مضت، كان ورما يبتلع روتين حياتي".
استدركت بالقول " كنت أدخل المقابلات وكأنني أحاول إثبات أنني
مازلت موجودة".
خلال تلك الفترة، لم تكن رنا وحدها، كانت
تراجع مرشدة نفسية في مركز الحسين للسرطان، وتتحدث خلال جلسات الدعم النفسي، لتجد
الكثير من المرضى يشاطرونها ذات المشكلة، حيث كانت تلك الجلسات مساحة للحديث عن الخوف، الرفض، وفقدان الإحساس
بالسيطرة.
رغم ذلك كان الواقع خارج تلك الجلسات أكثر
إيلاما ووحدة، فغياب العمل لم يكن مجرد
توقف مهني، بل كان توقفا عن الحياة اليومية نفسها.
يرافق بوح رنا في استذكار تلك الأيام تنهيدة
عميقة" حينما يمر اليوم بلا عمل، تصبح المواعيد غير ثابتة، لا مهام تنجز ولا
شعور بالقيمة الذاتية" .
تتابع " زاد وزدني، وأصبح الالتزام
بنادي رياضي شبه مستحيل، حتى قدرتي على القراءة
- التي أحب- تراجعت حد العدم".
لم يكن الجانب النفسي والاجتماعي وحده المشكلة بعدم الحصول على عمل، فالجانب المادي لإمرأة مستقله تسهم في إعالة أسرتها كان تحد أكبر، الأمر الذي اضطرها للتقديم على راتب الاعتلال من الضمان الاجتماعي.
ترميم الإيقاع من جديد
بين العلاج، الفراغ، والرفض المتكرر في
العمل.. بدأت رنا تشعر أنها خارج الإنتاج، الاستمرارية، وخارج الصورة التي كانت
تعرفها مع نفسها.
لكنها رغم ذلك لم تتوقف عن المحاولة، طرقت أبوابا كثيرة،
وأصبحت تبحث عن بيئة تستطيع أن تستوعب ما تمر به، تقدم لها فرصة عمل مرن، يعتمد
على الإنجاز لا الحضور، على الإنتاجية لا على الشكل الخارجي والظروف الظاهرة.
وفعلا استطاعت الحصول على ذلك بإحدى المؤسسات
الدولية، عمل سمح لإيقاع حياتها أن تعود تدريجيا، دون أن تجبر على إخفاء ما مرت به أو أن تتجاوزه بسرعة،
واستطاعت ترميم كل ما فاتها في فترة الانقطاع من خبرة ومن تراكم في المعرفة في
قطاع ينمو ويتطور سريعا.
تبتسم رنا وهي تتحدث عن عملها الجديد "
منذ أن حصلت عى هذه الفرصة بدأت الحياة تعود إلى مفاصل جسدي ويومي، الإنجاز جعلني
أبني روتين صحي في الغذاء وفي الالتزام بنادي رياضي، وبدأت الأفكار تتولد عندي
بشكل كبير، أهمها أنني أحضر لبودكاست مختص في السرطان باللغة العربية قائم على
معلومات علمية وأكاديمية، والأهم أني أصبحت مُثقِفة صحية".
لا ترى رنا في هذا الفصل نهاية سعيدة لقصتها، بقدر ما تراه مرحلة للحديث عن تفاصيل كثيرة غائبة في حياة مريض السرطان الذي لا يقاوم المرض فقط، إنما يتحدى الوصمة اللصيقة في المرض، الأمر الذي يجعلهم خارج إيقاع الحياة، وكأن ذلك الانقطاع لم يكن فترة، إنما فجوة غير مرئية".
غياب المرونة والوصمة الاجتماعية
هذه لسيت قصة رنا وحدها، هي قصة كثر من مرضى السرطان في بيئات عمل
مشابهة.
حيث تشير الدراسات النوعية في الأردن إلى أن تأثير السرطان على العمل
يتجاوز الجانب الصحي، ليشمل انقطاعا أو فقدانا للوظيفة، وصعوبة في العودة إلى سوق
العمل حتى بعد التحسن أو التعافي.
ويرتبط ذلك بعدة عوامل، أبرزها محدودية الإجازات المرضية التي لا
تراعي طبيعة العلاج الطويل والمتقطع، وغياب بيئات العمل المرنة التي تعتمد على
الإنتاجية بدل الحضور.
كما تلعب الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض، والخوف من الإفصاح عنه،
دورا في تقليل فرص التوظيف أو الاستمرار في العمل، إلى جانب الضغوط المالية
الناتجة عن فقدان الدخل وتكاليف العلاج.
وتؤكد هذه المعطيات الحاجة إلى سياسات عمل أكثر مرونة وشمولا، تضمن
لمرضى السرطان فرصة عادلة للاستمرار أو العودة إلى العمل دون أن يتحول المرض إلى
سبب إضافي للإقصاء.
**
تم إنتاج هذا العمل كجزء من مخرجات دراسة "الصحة النفسية والرفاه
النفسي الاجتماعي للشباب في بيئة العمل"، وذلك ضمن أنشطة مشروع
"حضور" الذي ينفذه هيئة أجيال السلام، بالتعاون مع وزارة الشباب وبتمويل
من الاتحاد الأوروبي.
